الغزالي

77

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وروي أن أبا جهل لقيهما ، فأعمى اللّه بصره عنهما حتى مضيا ، قالت أسماء بنت أبي بكر : وخرج أبو بكر بماله خمسة آلاف درهم ، ولمّا فقدت قريش رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طلبوه بمكة أعلاها وأسفلها وبعثوا القافة - جمع قائف ، وهو الذي يعرف الأثر في كلّ وجه - فوجد الذي ذهب جهة ثور أثره هناك ، فلم يزل يتبعه حتى انقطع الأثر لمّا انتهى إلى ثور . وشقّ على قريش خروجه ، وجزعوا لذلك ، وجعلوا مئة ناقة لمن يردّه . وروى القاضي عياض أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ناداه جبل ثبير : اهبط عني ، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذّب . فناداه جبل ثور : إليّ يا رسول اللّه . وروي أنه لمّا دخل الغار ، وأبو بكر معه أنبت اللّه على بابه الراءة ، وهي شجرة معروفة بأم غيلان ، فحجبت عن الغار أعين الكفار ، وأنّ اللّه عزّ وجلّ أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار ، وأرسل حمامتين وحشيّتين فوقفتا على وجه الغار ، فعشّشتا على بابه ، وأن ذلك مما صدّ المشركين عنه ، وأن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين ، جزاء وفاقا لما حصل بهما الحماية جوزيتا بالنسل وحمايته في الحرم . فلا يتعرّض له . ثم أقبل فتيان قريش من كلّ بطن بعصيّهم وهراويهم وسيوفهم ، فجعل بعضهم ينظر في الغار ، فرأى حمامتين وحشيّتين بفم الغار ، فرجع إلى أصحابه ، فقالوا له : ما لك ؟ فقال : رأيت حمامتين وحشيّتين فعرفت أنه ليس فيه أحد . فسمع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ما قال ، فعلم أن اللّه قد درأ عنه . وقال آخر : ادخلوا الغار . فقال أمية بن خلف : وما أربكم - أي حاجتكم إلى الغار - إنّ فيه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد ، لو دخل لكسر البيض وتفسّخ العنكبوت ، وهذا أبلغ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود ، فتأمل كيف أظلّت الشجرة المطلوب وأضلّت الطالب ، وجاءت عنكبوت فسدّت باب الطلب ، وحاكت وجه المكان ، فحاكت ثوب نسجها حتى عمي على القائف الطلب ، ولقد حصل لها بذلك الشرف . وما أحسن قول ابن النقيب : ودود القزّ إن نسجت حريرا * يجمل لبسه في كل شيّ